كريم نجيب الأغر

149

إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام

وهذا تلميح واضح إلى أن العناصر الأخرى لا تشارك في عملية الاختلاط . ( انظر الصورة رقم : 38 ) . وقد أقرّ الصحابي عبد اللّه بن مسعود والتابعي زيد بن أسلم رضي اللّه عنهما هذا المفهوم في قولهما : « أمشاجها عروقها » و « الأمشاج العروق التي في النطفة » ؛ أي أن الأجزاء التي تختلط هي العروق المتواجدة داخل النطفة . ومما يقوّي هذا التفسير هو أنه إذا اختلط شيئان نقول عنهما : « مشيج » في الغالب وليس « أمشاج » ، ذلك أن كلمة « أمشاج » تشير إلى أن عدة أشياء اختلطت فيما بينها ؛ ألا وهي العروق ، جاء في لسان العرب « 1 » : « مشج : المشج والمشج والمشج والمشيج : كل لونين اختلطا . . . وقيل : هو كل شيئين مختلطين ، والجمع أمشاج » . وجاء في مختار الصحاح « 2 » : « م ش ج : مشجت بينهما مشجا : خلطت ، والشيء مشيج ، والجمع أمشاج » « 3 » .

--> ( 1 ) لسان العرب لابن منظور - مادة « مشج » - ( ج 13 / ص 111 ) . ( 2 ) الصحاح للجوهري - ( ج 1 / ص 241 ) . ( 3 ) هناك بعض الباحثين ممن يفسّر نطفة الأمشاج على أنها نطفة الرجل ، أو نطفة المرأة ، أو النطفة المخصبة ، وذلك أن نطفة الرجل ( أو نطفة المرأة ) تحتوي على أخلاط من الصبغيات انحدرت من كلّ من الجدّ والجدّة على حدّ سواء ، وأن الصبغيات تحتوي على مزيج من المورّثات جاءت منهم أيضا من خلال عملية ( التصالب والعبور CROSS OVER ) التي حدثت ( للنطفة الجنسية الأولية PRIMARY SEX CELL ) التي انقسمت مرّتين خلال نضوجها ( الانقسام الميوزي الأول والثاني FIRST AND SECOND MEIOTIC DIVISION ) والتي أدّت إلى نشوء نطفة الرجل ( أو المرأة ) ( انظر مبحث « انفلاق النطفة والازدواجية في التركيب » ) ، فكل من نطفة المرأة ونطفة الرجل نطفة مشيج ، والنطفة المخصبة نطفة أمشاج ، حصلت من جمع مشيجين حسب مفهومهم ، فجعلوا كلمة « أمشاج » جمع « مشيج » ، وذلك خطأ من الناحية اللغوية ، لأن كلمة « أمشاج » صفة للنطفة التي هي مفردة ، وبالتالي فإن صفتها ( أي كلمة أمشاج ) لفظ مفرد وليس بجمع ، جاء في تفسير الرازي - ( ج 30 / ص 740 ) : « قال صاحب « الكشاف » : الأمشاج لفظ مفرد ، وليس بجمع ، بدليل أنه صفة للمفرد ، وهو قوله : نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ [ الإنسان : 2 ] ، ويقال أيضا : نطفة مشيج ، ولا يصح أن يكون أمشاجا جمعا للمشج ، بل هما مثلان في الإفراد ، ونظيره برمة أعشار ، أي قطع مكسرة ، وثوب أخلاق ، وأرض سباسب . . . » . والإشارة إلى أن لفظ نطفة الأمشاج قد يشير إلى نطفة الرجل أو نطفة المرأة جائز ، ذلك أن كلّا منهما يحتوي على أخلاط ، وكذلك الإشارة إلى أنه قد يشير إلى النطفة المخصبة جائز أيضا ، لأن النطفة المخصبة مزيج من نطفة الرجل ونطفة المرأة ، أو لأنها تحتوي على أخلاط من الصبغيات والمورّثات ، ولكن القول بأن القرآن أشار إلى أن هناك مزجا على مزج غير صحيح ، للسبب الذي سقناه سابقا ، ونكون بذلك قد حمّلنا القرآن الكريم ما لم يشر إليه ، واللّه تعالى أعلم . ولقد استحسنا أن نعتمد التفسير القاتل بأن نطفة الأمشاج هي النطفة المكونة من نطفة الرجل ونطفة المرأة ، لأن عموم الأحاديث تتكلم عن تفاعل - إن لم يكن اختلاط - نطفة الرجل بنطفة المرأة ، ولأن أكثر السلف الصالح فسروا نطفة الأمشاج على أنها اختلاط نطفة الرجل بنطفة المرأة ، ولأن التوجه العام للبحث يشير عقلا إلى هذه الظاهرة .